الطفل معاذ وطريق الروضة المحفوف بالمخاطر
عائلة صوفان من الجد الى الاحفاد ورحلة المعاناة والصمود
صفاء نصّار
في عام 2020، ولد الطفل معاذ صوفان في بيت عائلته الذي بناه جده قبل عشرات السنين ليكون مكانا آمنا للعائلة، دون ان يدور في خلد
الجد آنذاك ان مستوطنة يهودية ستقام في المستقبل على صدر بلدته ، وستقاسمه حتى الهواء.
في كل يوم يستيقظ معاذ ابن الأربع سنوات ككل الأطفال يلبس ملابسه ويحمل حقيبته ليتوجه إلى روضته في قرية بورين الواقعة إلى الجنوب من نابلس ، لكنه ليس كباقي الأطفال فحافلة الروضة لا تأتي لتقله من البيت، فالطريق الى البيت وعرة بالاضافة الى انه يحتاج إلى رصدٍ وحذر في كل مرة يخرج بها من المنزل برفقة والده الذي يوصله الى الروضة صباحا ويعيده بعد الظهيرة في مغامرة يومية لا تخلو من المخاطر له هو أو لأيٍ من أفراد عائلته، تلك المخاطر التي يمتد تاريخها أربعين عاما الى الوراء منذ إنشاء مستوطنة يتسهار عام ١٩٨٣ على أراض اغتصبت من أصحابها في بورين ومادما وعصيرة القبلية ، والتي لا تبعد عن منزل " صوفان " سوى عدة كيومترات .
تقول ابنة العائلة رندة صوفان أن هذا البيت وساكنيه عانوا من وحشية المستوطنين واعتداءاتهم من حرق وتكسير للنوافذ ومحاولة اقتحامه للاعتداء على ساكنيه عشرات المرات بالإضافة لحرق سيارتين وعشرات أشجار الزيتون المزروع حول منزلهم ومن ثم تسميم الاغنام والخيل في حظيرة المنزل وتحطيم النوافذ اكثر من عشرين مره حتى اضطرت العائلة لتصفيح النوافذ بالحديد ، مشيرة الى الأثر النفسي جراء الإعتداءات خاصة على الأطفال الذين يستيقظون مذعورين ويعانون من التبول اللاإرادي وحالات الصراخ المفاجئ ليلا اذا سمعوا صوتا حتى لو كان صوت الرياح في الشتاء.
وتستذكر صوفان عشرات القصص التي اضطرت فيها الى مجالسة معاذ والاطفال الخائفين والذين يجافي النوم اعينهم طول الليل وهم يسمعون بين الحين والاخر صراخ المستوطنين او يفاجئهم صوت حجر ارتطم بشباك غرفة النوم فيبدأون بالبكاء والصراخ من الخوف، مشيرة الى الدور والهم المضاعف الذي تعيشه أمهات هذا المنزل ما بين الواجبات اليومية وتلبية احتياجات الأسره وبين العناية الجسدية والنفسية بالأطفال ولعب دور الحارس والمدافع عن المنزل اذا خرج زوجها لاحضار حاجات الاسرة وآخيرا وليس آخرا رصد الطريق لزوجها في أثناء عودته للمنزل خوفا من هجوم مباغت للمستعمرين.
ويسرد مصعب صوفان تفاصيل القصة اليومية في ايصال طفله معاذ الى روضة الاطفال والتي لا تخلو من محاولة اعتداء او على الاقل اغلاق الطريق امامه بالحجارة من قبل صبية من المستوطنة كما حدث قبل ايام حيث اضطر مرتين في يوم واحد الى فتح الطريق المغلقة بالحجارة وهي بالأصل طريق ترابي وعر لا تسمح سلطات الاحتلال لهم باستصلاحها وتعبيدها.
وتشير رنده الى نوافذ المنزل التى يغطي زجاجها اللون الاحمر موضحة ان المستوطنين يلقون على المنزل عبوات مملوءة بطلاء أحمر وهم يصرخون : " مصيركم الموت وهذا دمكم "....
وتقول وهي تنظر الى أطفالها " ما فيي شي بيحمينا ونحن بنعيش في خوف دائم من خطر الحاضر والغد المجهول"
وتنوه ان زوجها واشقاؤه قد جمعوا اكوام من الحجارة على سطح المنزل لمواجهة المستوطنين عندما يهاجموا المنزل . وتوضح ان اعتداءاتهم زادت بشكل كبير خلال العام الحالي واصبحت شبه يومية ما حدا بالعائلة الى تركيب بوابة كبيرة واحاطة المنزل بسور عالي
تعلوه اسلاك شائكة بالاضافة لاقتناء كلب حراسة يكون بمثابة جرس إنذار يحذرهم عند مجئ قطعان المستوطنين.
ويقول مصعب صوفان انه لا يعمل ويتواجد في المنزل طوال الوقت تحسبا لهجوم مباغت للمستوطنين وانه مع افراد العائلة يرابطون لساعات خلال الليل والنهار وحولهم اكوام الحجارة لصد محاولات هجوم المستوطنين المتكررة والذي كان اخرها في الاسبوع الاخير من شهر أكتوبر الماضي حيث هاجموهم وهم يقطفون ثمار الزيتون حول المنزل وقاموا بسرقة معدات القطف وكمية من الزيتون الي تم جمعه.
وتستذكر رنده دور عمتها حنان صوفان (ام أيمن) والتي لقبت ب حارسة الجبل والتي كانت بطلة التصدي والصمود وايقونة في رفض كل الاغراءات المالية وعمليات التهديد والوعيد ومحاولات انتزاع البيت منها وكانت تتسلح بالحجارة وتصرخ صراخا تهتز له قرية بورين وهي تتصدي لاعتداءات المستعمرين وتقول رنده: "عمتي الله يرحمها كانت جريئة تحكي وما تخاف وتصرخ عليهم ، حتى مرة كنا قاعدين برا أجا حارس حارس أمن مستوطنة يتسهار واسمه " يعقوب " وقال: ( خذوا المبلغ اللي بدكم إياه شيك مفتوح بس إتركوا الدار ) ، صارت الحجة تصرخ وتقول يا مستوطن اعرف انه مستحيل أطلع انا واولادي لو تعطونا مال الدنيا ما بنطلع .وإحنا كمان متلها ما بنقبل نتخلى عن بيتنا ،إذا طلعنا راح الجبل كله لانه احنا السكان الوحيدون اللي لا زالوا يسكنون الجبل ، "
ويتحدث مصعب بحرقة عن والدته : "بقيت الحاجة تقاوم المستوطنين سنوات عمرها ومنذ طفولتنا ونحن نراها الجبل الشامخ والسد المنيع . حتى تعبت وأصابها مرض السكري وأنطفأ نورعيونها وفقدت معظم بصرها حزناً على بيتها يوم القى المستوطنون زجاجات حارقة نحو منزلنا واشتعلت النيران في احدى الغرف وبعد ذلك بايام أصيبت الحاجة بجلطة قلبية من القهر والحزن وتوفيّت ، وفاضت روحها إلى بارئها والحجر والشجر والجبل شهود على صمودها لآخر رمقٍ من حياتها ونحتسبها شهيدة عند الله وتركت لنا هذا المنزل وصية وامانه وأنا واخوتي لن نخون الامانه وسندافع عن منزلنا ولن نتركه للغزاة"
عشرات القصص والحكايا عن عنف المستوطنين خلال السنوات تجتمع في ذاكرة افراد عائلة صوفان الباقين في منزلهم ،وخارج اسواره مستعمرون يخططون منذ زمن بعيد للاستيلاءعلى البيت والاستيطان في الجبل ان غاب حراسه . ويبقى الطفل معاذ بطلا لقصة يومية في رحلة الذهاب الى الروضه ومن ثم سيكبر وسيذهب الى المدرسة بنفس الطريقه وهو يتلقى التدريب العملي ليكون حارسا للبيت والجبل ويغلي في عروقه دم جدته الحارسة الاولى ولتستمر حكابات الصمود والثبات.
0تعليقات